
مـولـد خير الأنــام
بقلم / طـه داوود
samoibal@yahoo. com
في مثل هذا الشهر، أي ربيع الأول، من عام الفيل، حلّت البركة بأرض مكة، وغمرها النور بمولد سيد ولد آدم بعد نحو ٦٠٠ عام من مولد عيسى عليه الصلاة والسلام. كان مولده عليه الصلاة إيذاناً بأن مرحلة جديدة للبشرية على وشك أن تبدأ. مرحلة يُنشل فيها الناس من التيه والضياع وانطماس البصيرة إلى مرافئ الإيمـان و الوعي والمعرفة.
مرحلة يتم فيها إنقاذ الأفراد والمجتمعات من براثن التبعية للجبابرة والطغاة، ومن الانقياد الأعمى للخرافات وتقديس الموروث بحجة ( بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) “الزخرف: ٢٢”
مرحلة يتحرر فيها أصحاب العقول من عبادة الأوثان ومن الإنحناء لتماثيل من أخشاب وحجارة صنعتها أيديهم! ( قال أتعبدون ما تنحتون) “الصافات: ٩٥”
نشأ المصطفى في هذه البيئة المكية كأحسن ما تكون النشأة، لم تزده بيئة مكة ومِن خلفها الجزيرة العربية بأصنامها وحروبها وموبقاتها، لم تزده إلا يقيناً بحتمية التغيير وبحتمية انقشاع ظلام الجهل والتخلّف والاستسلام للخرافات المتوارثة عبر الأجيال.
وعندما بلغ الأربعين من عمره جاءه الوحي الإلهي بأن ينهض بأمر الدعوة لإخراج الناس من دائرة الشرك وتعدّد الآلهة إلى دائرة التوحيد والإخلاص لفاطِر الأرض والسماء، فاستجاب لدعوته الجديدة القليل من أهل مكة وأعرض عنها الكثير في هذه المرحلة، أعرض عنها وعارضها وحاربها أصحاب الأهواء والمصالح الذين رأوا أنّ هذا الدين الجديد يهدّد مصالحهم بالرغم من إدراكهم التام بأنه دين حجة ومنطق وبرهان لا يملك من أنصت له بعقلٍ مفتوح إلا أن يعلن انضمامه الفوري لقافلة التوحيد وقد غمر نور الإيمان بصيرته وبصره فأصبح حراً طليقاً من قيود الجاهلية وأثقالها، وقد عبّر عن ذلك الصحابي الجليل ربعي بن عامر مخاطباً رُستم قائد الفرس: (ابتعثنا الله لنُخرٍج مَن شاء مِن عباده إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الاسلام.)، وقبله كانت خطبة الصحابي الشهيد جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي، ملك الحبشة، بمثابة (خارطة طريق) لهذا الدين الجديد وفلسفته تجاه الحق والباطل والفضيلة والرذيلة، حيث أوضح جعفر كل ذلك بقوله (أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، إلى أن قال: فكنا على ذلك حتى بعث الله رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار..الخ).
عليه، كانت مهمة هذا الدين الجديد هي تحرير عقول الناس من الانقياد الأعمى لما هو سائد من خرافات وأباطيل وظلم وتطفيف للموازين والمكاييل ومن حروب عبثية مبنية على التعصب العشائري والقبلي وما ينتج عنها من إزهاقٍ للأرواح ونهبٍ للممتلكات واسترقاقٍ للأنفس. فتحرّرت عقول فئات مقدرة من المجتمع المكي والجزيرة العربية من كل تلكم الموبقات وأسلمت وجهها لله وانقادت من غير إكراه للواحد الديان.
نهض نبينا عليه الصلاة والسلام بأمر الدين، كما فعل مَن سبقه من الأنبياء، فالدين واحد لا يتغيّر مع تغير الأزمان، نعم تختلف الشرائع باختلاف الأزمان، ولكن الجوهر لا يتغير (إنّ الدين عند الله الاسلام..الآية) ” آل عمران”
ويتكرّر هذا التأكيد في العديد من الآيات القرآنية، ومنها قوله تعالى (قولوا آمنا بالله وما أُنزل إلينا وما أُنزل إلى ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) “البقرة: ١٣٦”.
فكانت مهمة الأنبياء ومَن تبعهم من العلماء والمصلحين على مرّ الدهور والأزمان هي تحرير عقول الناس من التيه والتخبط وردّها إلى مَن بيده مقاليد السماوات والأرض، إلى من يسمع دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، إلى الله الواحد الأحد ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) “الأنعام: ١٦٢”
لم تكن المهمة سهلة، ولم يكن الطريق مفروشاً بالورود. قاومت قريش هذا الدين الجديد وسعت بكل ما لديها من قوة ومال ومكر وعنف لمنع الرسول من تبليغ الناس ما أُنزل إليه من الذكر والحكمة. كان نبينا الكريم حريصاً على هداية قومه، واستخدم في ذلك كل الوسائل السلمية المستَندة إلى المنطق والبرهان بأن ما جاء به هو الحق الموحى إليه من الله (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) “النساء: ٨٢”
لم يكن لدى الملأ من قريش ما يدحضون به بلاغة القرءان وقوة منطقه وعظمة مضمونه. لكنه العناد والكبر واتباع هوى النفس (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) ” الأنعام: ٣٣”.
نعم إنه الجحود والهروب من الحقائق الماثلة أمام الجميع (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) ” الحج: ٤٦”.
ومن أمثلة جحود قريش وهروبها من حقائق الأشياء ما أورده المؤرخون من حوار بين فتيان قريش وأحد الروم القادمين من خارج الجزيرة العربية، وكان ذلك قبل البعثة النبوية، وكانت قريش قد أعادت بناء البيت، وترتّب على ذلك نقل الأصنام ( اي نقل الآلهة!) من حول البيت ثم إعادتها لاحقاً. ففي هذا الشأن استفسر الرومي عن مصير الآلهة وما إذا كانت ستعود بنفسها إلى أماكنها الأولى بعد انتهاء البناء؟ ليردّ عليه أحد فتيان قريش بأن ذلك لا يعنينا في شئ، علينا الانتظار حتي يتم البناء، فإن رأيتَها ارتدت من تلقاء نفسها إلى أماكنها فقد ظهَرَت لك جليّة الأمر، وإن رأيتَنا نحن نردّها إلى أماكنها كما حوّلناها عنها فاعلم أنها قد أخَذَتنا بذلك وأرادَتنا عليه، وإن رأيتَها قائمة حيث وضعناها فاعلم أنها تريد ذلك!
إنها المراوغة والهروب من الحقيقة بالرغم من أنّ الجميع موقن بأن تلك الآلهة ليست إلا حجارة صماء لا تضر ولا تنفع، نحتها الإنسان بنفسه ثم اتخذها آلهة تُعبد من دون الله.
صبر نبينا على كل صنوف الأذى النفسي والجسدي وواصل مهمته السامية في مكة، ثم في المدينة، ثم في سائر أنحاء المعمورة، فكان يرسل الكتب والمبعوثين إلى الأقاليم البعيدة في الجزيرة العربية والشام ومصر وبلاد فارس واليمن، فوصلت الدعوة إلى مختلف الأقطار، حتى إذا كانت السنة التاسعة للهجرة النبوية (سنة الوفود) توجهت وفود قبائل العرب نحو المدينة، وزاد عددها عن سبعين وفداً لتعلن إسلامها ومبايعتها للنبي.
جاء نصر الله وجاءت هدايته فدخل الناس في دين الله أفواجا. انتصر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.
إنقشع ظلام الجاهلية وزالت الغشاوة عن العيون فأدرك الناس عُمق الهاوية التي كانوا في قعرها قبل أن ينقلهم الاسلام إلى برّ الأمن والأمان.
وقد عبّر عن هذا التحوّل الفكري والثقافي والاجتماعي الهائل لإنسان الجزيرة العربية الشاعر ابن الزعبري، بعد أن لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم وبايع، ثم أنشد يقول، كما في السيرة النبوية لابن هشام:
يا رسولَ المليكِ إنّ لساني ،، راتقٌ ما فَتَقتُ إذ أنا بورُ
إذ أُباري الشيطان في سَنَن الغيّ،، ومَن مالَ مَيلَه مثبورُ
آمن اللّحمُ والعظامُ لِربِّي ،، ثمّ قَلبي الشهيدُ أنت النذيرُ
ما أحوج الأمة في عصرنا الحالي إلى العودة إلى ذلك النبع الصافي وإلى تلك السيرة العطرة لسيد الأنام لتنهل منها ما يعينها على أمور دينها ودنياها ( لقد جاءكم رسولٌ مِن أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم، حريصٌ عليكم بالمؤمنين رءوفٌ رحيمٌ) “التوبة: ١٢٨”.
samoibal@yahoo. com
27/9/2023



